محمد محمد أبو موسى
461
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
« فان قلت : هلا قرن الجواب بما هو جواب له ، وهو قوله « لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي » ، ولم يفصل بينهما بآية ؟ قلت : لا يخلو اما أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن ، واما أن تؤخر القرينة الوسطى . فلم يحسن الأول لما فيه من تبتير النظم بالجمع بين القرائن ، وأما الثاني فلما فيه من النقض بين الترتيب وهو التحسر على التفريط في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية ثم تمنى الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه ، وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب عن بعضها على ما اقتضى الجواب » « 129 » . وفي مواقف تهذيب النفس وارشادها إلى طريق البر وأخذ الوسائل التي تبعد بها عن مواطن الرذيلة يلمح الزمخشري ترتيبا يلائم طبيعة النفس ويتسق مع أحوالها حيث تتوالى الأوامر وتتصاعد حسب الأحوال والشؤون . يقول في قوله تعالى : « قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ » إلى قوله تعالى : « وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ » « 130 » : « وما أحسن ما رتب هذه الأوامر ، حيث أمر أولا بما يعصم من الفتنة ، ويبعد عن مواقعة المعصية ، وهو غض البصر ، ثم بالنكاح الذي يحصن به الدين ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام ، ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء ، وعزفها عن الطموح ، إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يرزق القدرة عليه » « 131 » . ويدرك الزمخشري أن القرآن حين يواجه النفس الانسانية بأخطائها لائما معنفا ، أو هاديا مترفقا ، انما يرتب الآيات ترتيبا حسنا وعجيبا فتكون كل آية كأنها ممهدة للأخرى وبساط لها ، يقول في آيات الحجرات التي يواجه القرآن فيها الصائحين برسول اللّه ينادونه من وراء الحجرات : « فتأمل كيف ابتدئ بايجاب أن تكون الأمور التي
--> ( 129 ) الكشاف ج 4 ص 107 ( 130 ) النور : 30 - 33 ( 131 ) الكشاف ج 3 ص 188